ابن ميثم البحراني

309

شرح نهج البلاغة

والأصباغ فمنها مغموس في قالب لون واحد قد طوّق بخلاف ما صبغ به كالفواخت ، وشرع في التنبيه بحال الطاوس على لطف الصنع لاشتماله على جميع الألوان ، وكفى بوصفه عليه السّلام شارحا فإنّه لا أبلغ منه ولا أجمع لتفاصيل الحكمة الموجودة في هذا الموصوف غير أنّه قد يحتاج بعض ألفاظه عليه السّلام إلى بيان . فأراد بقصبه قصب ريش ذنبه وجناحيه وإشراجها ضبط أصولها بالأعصاب والعظام وشرج بعضها لبعض ، ووصفه عليه السّلام لهيئة درجه إلى الأنثى حال إرادة السفاد وصف من شاهد واستثبت الهيئة وأحسن بتشبيهه لذنبه عند إرادة السفاد بالقلع الداريّ فإنّه في تلك الحالة يبسط ريشه وينشره . ثمّ يرفعه وينصبه فيصير كهيئة الشراع المرفوع ، ووجه التشبيه زيادة على ذلك أشار إليها بقوله : عنجه نوتيّه ، وذلك أنّ الملَّاحين يصرفون الشراع تارة بالجذب ، وتارة بالإرخاء ، وتارة بتحويله يمينا وشمالا وذلك بحسب انصرافهم من بعض الجهات إلى بعض فأشبههم هذا الطائر عند حركته لإرادة السفاد وزيفانه في تصريف ذنبه وتحويله ، وله في ذلك هيئة لا يستثبت وجه الشبه فيها كما هو إلَّا من شاهدها مع مشاهدة المشبّه به ، ولذلك قال : أُحيلك من ذلك على معاينة لا كمن يحيلك على ضعيف إسناده . وإنّما خصّ دارين بالذكر لأنّها كانت المرسي القديم في زمانه عليه السّلام حيث كانت معمورة . وقوله : ولو كان كزعم من يزعم . إلى قوله : المنبجس . أي لو كان حاله في النكاح كزعم من يزعم ، وهو إشارة إلى زعم قوم أنّ الذكر تدمع عينه فتقف الدمعة بين أجفانه فتأتي الأنثى فتطعمها فتلقح من تلك الدمعة ، وروي تنجشها مدامعه : أي تغصّ بها وتحار فيها ، وهو عليه السّلام لم يحل ذلك ، وإنّما قال : ليس ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب ، والعرب تزعم أنّ الغراب لا يسفد . ومن أمثالهم أخفى من سفاد الغراب ، ويزعمون أنّ اللقاح من مطاعمة الذكر والأنثى وإيصال جزء من الماء الَّذي فيه في قانصته إليها وهي أن يضع كلّ منهما منقاره في منقار صاحبه ويتزاقّا وذلك مقدّمة للسفاد في كثير من الطير كالحمام وغيره ، وهذا وإن كان ممكنا في بعض الطير كالطاووس والغراب